التوربينات النفطية | Oil Gas Turbines
تُعد التوربينات النفطية (Oil and Gas Turbines) حجر الزاوية في البنية التحتية لقطاع الطاقة العالمي، حيث تمثل القلب النابض لمجموعة واسعة من العمليات الحيوية، بدءًا من استكشاف وإنتاج النفط والغاز في المنصات البحرية النائية، وصولًا إلى محطات المعالجة والتكرير الضخمة على اليابسة. هذه المحركات الحرارية عالية الكفاءة والموثوقية مصممة لتحويل الطاقة الكامنة في الوقود إلى عمل ميكانيكي، والذي يُستخدم بدوره إما لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل المعدات، أو لتوفير الدفع الميكانيكي المباشر للضواغط والمضخات العملاقة. نظرًا لطبيعة بيئة العمل القاسية والمتطلبات التشغيلية الصارمة في صناعة النفط والغاز، تم تصميم هذه التوربينات لتتحمل الظروف المتغيرة، وتعمل بكفاءة عالية لفترات طويلة، وتوفر المرونة اللازمة للتعامل مع أنواع مختلفة من الوقود. يتناول هذا المقال بشكل شامل ومفصل الجوانب العلمية والهندسية للتوربينات المستخدمة في قطاع النفط والغاز، مستعرضًا مبادئ عملها، مكوناتها الأساسية، تطبيقاتها المتنوعة، معايير اختيارها، استراتيجيات صيانتها، والأنظمة المساعدة التي تضمن تشغيلها الآمن والمستقر، مما يجعله مرجعًا متكاملًا للمهندسين والطلاب والمختصين في هذا المجال الحيوي.
أساسيات عمل التوربينات الغازية (Gas Turbine Fundamentals)
تعتمد التوربينات الغازية بشكل أساسي على مبادئ الديناميكا الحرارية لتحويل الطاقة الكيميائية للوقود إلى طاقة ميكانيكية قابلة للاستخدام. يُعد فهم الدورة الثرموديناميكية التي تحكم عملها والمكونات التي تنفذ هذه الدورة أمرًا ضروريًا لاستيعاب كيفية عمل هذه الآلات المعقدة بكفاءة وموثوقية في التطبيقات الصناعية المختلفة، خاصة في قطاع النفط والغاز حيث تعد الموثوقية والكفاءة من أهم الأولويات.
مبدأ عمل دورة برايتون (Brayton Cycle)
تمثل دورة برايتون (Brayton Cycle) النموذج الثرموديناميكي المثالي الذي يصف عمل التوربين الغازي. سميت بهذا الاسم نسبةً للمهندس الأمريكي جورج برايتون، وتتكون الدورة في شكلها البسيط المفتوح من أربع عمليات متتالية تحدث على مائع التشغيل (الهواء والغازات الناتجة عن الاحتراق):
- السحب والضغط متساوي الاعتلاج (Isentropic Compression): يتم سحب الهواء من الجو المحيط إلى داخل الضاغط، حيث يُرفع ضغطه بشكل كبير. في الدورة المثالية، يُفترض أن هذه العملية تتم دون أي تغير في الإنتروبيا (الاعتلاج)، مما يعني عدم وجود أي مفاقيد حرارية أو احتكاكية.
- إضافة الحرارة بثبات الضغط (Constant Pressure Heat Addition): يُوجّه الهواء المضغوط إلى غرفة الاحتراق، حيث يُمزج مع الوقود ويُشعل. تؤدي عملية الاحتراق إلى إضافة كمية هائلة من الطاقة الحرارية إلى الهواء، مما يرفع درجة حرارته بشكل كبير مع الحفاظ على ضغطه ثابتًا تقريبًا.
- التمدد متساوي الاعتلاج (Isentropic Expansion): تتدفق غازات الاحتراق الساخنة وعالية الضغط عبر قسم التوربين. أثناء مرورها عبر شفرات التوربين الثابتة والمتحركة، تتمدد هذه الغازات، مما يؤدي إلى انخفاض ضغطها ودرجة حرارتها. هذا التمدد ينتج عنه طاقة ميكانيكية على عمود التوربين. في الدورة المثالية، تكون هذه العملية أيضًا متساوية الاعتلاج.
- طرد الحرارة بثبات الضغط (Constant Pressure Heat Rejection): تُطرد غازات العادم الساخنة إلى الغلاف الجوي. في الدورة المفتوحة، تمثل هذه العملية نهاية الدورة، حيث يتم سحب هواء جديد لبدء دورة جديدة.
يُستخدم جزء كبير من الشغل الناتج عن قسم التوربين (حوالي ثلثي الشغل) لإدارة الضاغط، الذي يستهلك طاقة كبيرة لضغط الهواء. أما الشغل المتبقي (حوالي الثلث)، فهو الشغل الصافي أو المفيد (Net Work Output) الذي يُستخدم لإدارة الحمل الخارجي، سواء كان مولدًا كهربائيًا أو ضاغطًا أو مضخة.
الكفاءة الحرارية (Thermal Efficiency) لدورة برايتون المثالية تعتمد بشكل أساسي على نسبة الضغط (Pressure Ratio)، وهي النسبة بين ضغط الهواء بعد الضاغط وقبل دخوله. يمكن التعبير عنها بالمعادلة التالية:
حيث:
- $ \eta_{th} $ هي الكفاءة الحرارية للدورة.
- $ r_p $ هي نسبة الضغط ($ P_2/P_1 $).
- $ \gamma $ هي نسبة الحرارات النوعية للهواء (تساوي تقريبًا 1.4).
تُظهر هذه المعادلة أنه كلما زادت نسبة الضغط، زادت الكفاءة الحرارية للتوربين الغازي. ومع ذلك، في الدورة الحقيقية، تؤدي المفاقيد الناتجة عن الاحتكاك والديناميكا الهوائية في الضاغط والتوربين، بالإضافة إلى انخفاض الضغط في غرفة الاحتراق، إلى تقليل الكفاءة الفعلية عن القيمة المثالية.
![]() |
| رسم تخطيطي يوضح مراحل دورة برايتون |
المكونات الرئيسية للتوربين الغازي
يتألف التوربين الغازي من ثلاثة أقسام رئيسية تعمل معًا بشكل متكامل لتنفيذ دورة برايتون. كل قسم من هذه الأقسام هو عبارة عن نظام هندسي معقد بحد ذاته، مصمم بدقة لتحقيق أقصى أداء وكفاءة.
ضاغط الهواء (Air Compressor)
ضاغط الهواء هو الجزء الأول من التوربين الغازي وهو المسؤول عن سحب كميات هائلة من الهواء المحيط وضغطها إلى مستويات عالية قبل إرسالها إلى غرفة الاحتراق. يُعد الضاغط من أكثر المكونات استهلاكًا للطاقة، حيث يستهلك ما يصل إلى ثلثي الطاقة التي ينتجها قسم التوربين. هناك نوعان رئيسيان من الضواغط المستخدمة في التوربينات الغازية:
- الضاغط المحوري (Axial Compressor): هو النوع الأكثر شيوعًا في التوربينات الغازية الكبيرة والمتوسطة. يتكون من عدة مراحل من الشفرات الدوارة (Rotor Blades) والشفرات الثابتة (Stator Vanes). يعمل الضاغط المحوري عن طريق تسريع الهواء بشكل محوري ثم إبطائه لزيادة ضغطه تدريجيًا عبر كل مرحلة. يتميز بقدرته على التعامل مع تدفقات هواء كبيرة وتحقيق نسب ضغط عالية بكفاءة ممتازة.
- ضاغط الطرد المركزي (Centrifugal Compressor): يستخدم بشكل أساسي في التوربينات الصغيرة أو في بعض المراحل النهائية للضواغط المحورية. يقوم بسحب الهواء إلى مركزه وتسريعه شعاعيًا إلى الخارج باستخدام دافع دوار (Impeller). بعد ذلك، يتم إبطاء الهواء في ناشر (Diffuser) لتحويل طاقته الحركية إلى ضغط. يتميز بتصميمه البسيط والمتانة العالية وقدرته على تحقيق نسبة ضغط عالية في مرحلة واحدة، ولكنه أقل كفاءة للتدفقات الكبيرة مقارنة بالضاغط المحوري.
غرفة الاحتراق (Combustor or Combustion Chamber)
هي المكان الذي تحدث فيه عملية إضافة الطاقة الحرارية إلى الدورة. بعد خروج الهواء من الضاغط بدرجة حرارة وضغط مرتفعين، يدخل إلى غرفة الاحتراق حيث يتم حقن الوقود (غازي أو سائل) ومزجه مع جزء صغير من الهواء (الهواء الأولي) وإشعاله بواسطة شمعات إشعال (Igniters). اللهب الناتج مستمر وذو درجة حرارة عالية جدًا (تصل إلى 2000 درجة مئوية). يتم استخدام الجزء الأكبر من الهواء المضغوط (الهواء الثانوي والثالثي) لتبريد جدران غرفة الاحتراق وتخفيف درجة حرارة غازات العادم إلى مستوى يمكن أن تتحمله شفرات التوربين (عادة بين 1100-1500 درجة مئوية). يوجد ثلاثة تصاميم رئيسية لغرف الاحتراق:
- التصميم الأنبوبي (Can-type): يتكون من عدة غرف احتراق منفصلة مرتبة بشكل دائري حول عمود التوربين.
- التصميم الحلقي (Annular-type): يتكون من غرفة احتراق واحدة على شكل حلقة كاملة تحيط بعمود التوربين. يوفر هذا التصميم توزيعًا أفضل لدرجة الحرارة.
- التصميم الأنبوبي-الحلقي (Can-annular type): يجمع بين التصميمين السابقين، حيث توجد عدة أنابيب احتراق فردية داخل غلاف حلقي مشترك.
التوربين (Turbine Section)
يعمل قسم التوربين بشكل معاكس لعمل الضاغط. وظيفته هي استخلاص الطاقة من غازات الاحتراق الساخنة عالية الضغط القادمة من غرفة الاحتراق وتحويلها إلى شغل ميكانيكي لتدوير العمود. يتكون قسم التوربين أيضًا من عدة مراحل، كل مرحلة تحتوي على صف من الريش الثابتة تسمى الفوهات (Nozzles or Stator Vanes) وصف من الريش المتحركة المثبتة على القرص الدوار (Blades or Rotor Buckets). تقوم الفوهات بتوجيه وتسريع تدفق الغاز الساخن نحو الريش المتحركة. عندما يصطدم هذا التدفق عالي السرعة بالريش المتحركة، فإنه يولد قوة ديناميكية هوائية تؤدي إلى دوران العجلة والعمود المتصل بها. نظرًا لتعرضها لدرجات حرارة شديدة، تُصنع شفرات التوربين من سبائك فائقة (Superalloys) قائمة على النيكل أو الكوبالت، وغالبًا ما تحتوي على أنظمة تبريد معقدة، حيث يتم تمرير هواء أبرد (مستخلص من الضاغط) عبر ممرات داخلية دقيقة في الشفرة لتبريدها والحفاظ على سلامتها الهيكلية.
![]() |
| المكونات الرئيسية للتوربين الغازي |
أنواع التوربينات الغازية
يمكن تصنيف التوربينات الغازية المستخدمة في صناعة النفط والغاز إلى فئتين رئيسيتين، لكل منهما خصائص وتطبيقات مميزة:
التوربينات الصناعية الثقيلة (Heavy-Duty / Frame Gas Turbines)
تتميز هذه التوربينات بتصميمها الضخم والمتين، وسرعات دورانها المنخفضة نسبيًا. تم تصميمها من الألف إلى الياء للخدمة الصناعية الأرضية، مع التركيز على الموثوقية العالية، وفترات الصيانة الطويلة، والقدرة على العمل بشكل مستمر لآلاف الساعات. عادة ما تكون أقل كفاءة من نظيراتها المشتقة من محركات الطائرات، ولكنها تتميز بتكلفة رأسمالية أقل لكل ميجاوات وقدرة على حرق مجموعة واسعة من أنواع الوقود. تُستخدم بشكل أساسي في تطبيقات توليد الطاقة الكهربائية ذات الحمل الأساسي (Baseload) في محطات الطاقة الكبيرة، ومصافي التكرير، ومجمعات البتروكيماويات.
التوربينات الغازية المشتقة من محركات الطائرات (Aeroderivative Gas Turbines)
كما يوحي اسمها، هذه التوربينات هي تعديلات لمحركات الطائرات النفاثة التي تم تكييفها للاستخدام الصناعي. تتميز بوزنها الخفيف، وحجمها الصغير، وكفاءتها الحرارية العالية، وقدرتها على البدء والإيقاف السريع. هذه الخصائص تجعلها مثالية للتطبيقات التي تكون فيها المساحة والوزن عاملين حاسمين، مثل المنصات البحرية. كما أنها تُستخدم على نطاق واسع في محطات طاقة الذروة (Peaking Power Plants) وفي تطبيقات الدفع الميكانيكي للضواغط على طول خطوط أنابيب نقل الغاز. عادةً ما تكون صيانتها أسرع، حيث يمكن استبدال مولد الغاز (Gas Generator) بالكامل كوحدة واحدة في فترة زمنية قصيرة.
التطبيقات الرئيسية للتوربينات في صناعة النفط والغاز
تؤدي التوربينات النفطية أدوارًا لا غنى عنها عبر مختلف قطاعات الصناعة النفطية، من الإنتاج إلى المعالجة والنقل. يمكن تصنيف تطبيقاتها الرئيسية إلى فئتين أساسيتين: توليد الطاقة الكهربائية، والدفع الميكانيكي. بالإضافة إلى ذلك، تتيح التقنيات المتقدمة مثل الدورة المركبة والتوليد المشترك تحقيق أقصى استفادة من الطاقة، مما يعزز الكفاءة ويقلل من التأثير البيئي.
توليد الطاقة الكهربائية (Power Generation)
يعد توفير إمدادات طاقة كهربائية موثوقة ومستمرة أمرًا حيويًا لجميع عمليات النفط والغاز. تعمل التوربينات الغازية كمحطات طاقة قائمة بذاتها، خاصة في المواقع البعيدة التي لا تتصل بالشبكة الكهربائية الوطنية.
- التطبيقات البرية (Onshore Applications): في الحقول البرية، توفر التوربينات الغازية الكهرباء اللازمة لتشغيل المضخات الغاطسة الكهربائية (ESPs)، ومضخات حقن المياه، ووحدات المعالجة، ومحطات الضخ على طول خطوط الأنابيب، ومصافي التكرير، ومصانع البتروكيماويات. يمكن أن تتراوح القدرة المطلوبة من بضعة ميجاوات لحقل صغير إلى مئات الميجاوات لمجمع صناعي ضخم.
- التطبيقات البحرية (Offshore Applications): على المنصات البحرية، تعتبر التوربينات الغازية المصدر الرئيسي للطاقة. نظرًا لقيود الوزن والمساحة، غالبًا ما تكون التوربينات المشتقة من محركات الطائرات هي الخيار المفضل. توفر هذه الوحدات الطاقة لعمليات الحفر، ومعدات الإنتاج، وضواغط إعادة حقن الغاز، وأنظمة دعم الحياة لطاقم المنصة. يُعد تشغيل هذه المنصات في "وضع الجزيرة" (Island Mode)، أي معزولة تمامًا عن أي شبكة خارجية، تحديًا يتطلب موثوقية واستقرارًا فائقين من وحدات التوليد.
الدفع الميكانيكي (Mechanical Drive)
في تطبيقات الدفع الميكانيكي، يتم توصيل عمود التوربين مباشرة (أو عبر صندوق تروس) بالمعدة المراد تشغيلها. هذا يلغي الحاجة إلى تحويل الطاقة الميكانيكية إلى كهربائية ثم العودة إلى ميكانيكية، مما يقلل من الخسائر ويزيد من الكفاءة الكلية للنظام.
قيادة الضواغط (Compressor Drive)
يعد هذا أحد أكثر التطبيقات شيوعًا للتوربينات الغازية. يتم استخدامها لقيادة الضواغط في مجموعة واسعة من الخدمات:
- خطوط أنابيب نقل الغاز: يتم تركيب محطات ضغط على فترات منتظمة على طول خطوط أنابيب الغاز الطبيعي لتعويض انخفاض الضغط الناتج عن الاحتكاك. تعمل التوربينات الغازية، التي تستخدم غالبًا جزءًا صغيرًا من الغاز المنقول كوقود، على تشغيل ضواغط الطرد المركزي للحفاظ على تدفق الغاز.
- تسييل الغاز الطبيعي (LNG): تتطلب عمليات تسييل الغاز الطبيعي ضواغط تبريد ضخمة. تُستخدم التوربينات الغازية الصناعية الثقيلة كمحركات رئيسية لهذه الضواغط.
- إعادة حقن الغاز وتدعيم الآبار بالغاز (Gas Reinjection and Gas Lift): في حقول النفط، يتم ضغط الغاز المصاحب وحقنه مرة أخرى في المكمن للحفاظ على الضغط وزيادة استخلاص النفط (EOR)، أو يتم حقنه في آبار الإنتاج لتقليل كثافة عمود النفط وتسهيل تدفقه إلى السطح.
- التخزين تحت الأرض: تُستخدم التوربينات الغازية لتشغيل الضواغط التي تحقن الغاز الطبيعي في مكامن مستنفدة أو كهوف ملحية للتخزين خلال فترات انخفاض الطلب، وسحبه خلال فترات الذروة.
قيادة المضخات (Pump Drive)
على غرار الضواغط، تُستخدم التوربينات الغازية أيضًا لتشغيل المضخات الكبيرة، لا سيما في التطبيقات التي تتطلب طاقة عالية أو في المواقع البعيدة.
- خطوط أنابيب النفط الخام: تُستخدم التوربينات الغازية لقيادة مضخات النفط الخام الرئيسية في محطات الضخ لدفعه عبر مسافات طويلة من حقول الإنتاج إلى المصافي أو موانئ التصدير.
- حقن المياه: في عمليات الاستخلاص المعزز للنفط (EOR)، يتم حقن كميات هائلة من المياه في المكمن لدفع النفط نحو آبار الإنتاج. تتطلب مضخات حقن المياه طاقة هائلة، والتي غالبًا ما توفرها التوربينات الغازية. على سبيل المثال، يمكن استخدام توربين غازي لتشغيل مضخة طرد مركزي عالية الضغط لهذه المهمة.
الدورة المركبة (Combined Cycle)
تمثل محطات الدورة المركبة (Combined Cycle Gas Turbine - CCGT) قمة الكفاءة في توليد الطاقة من الوقود الأحفوري. في التوربين الغازي ذي الدورة البسيطة، تخرج غازات العادم بدرجة حرارة عالية جدًا (500-600 درجة مئوية)، مما يعني أن كمية كبيرة من الطاقة تُهدر في الغلاف الجوي. تستغل تقنية الدورة المركبة هذه الحرارة المفقودة.
يتم توجيه غاز العادم الساخن من التوربين الغازي إلى مبادل حراري متخصص يسمى مولد بخار استعادة الحرارة (Heat Recovery Steam Generator - HRSG). يقوم هذا الجهاز باستخدام حرارة العادم لتحويل الماء إلى بخار عالي الضغط والحرارة. بعد ذلك، يتم توجيه هذا البخار إلى توربين بخاري (Steam Turbine) لتوليد طاقة كهربائية إضافية. بهذه الطريقة، يتم إنتاج الكهرباء من نفس كمية الوقود عبر دورتين ثرموديناميكيتين (برايتون ورانكين)، مما يرفع الكفاءة الإجمالية للمحطة من حوالي 35-40% (للدورة البسيطة) إلى ما يزيد عن 60%. تُستخدم محطات الدورة المركبة بشكل واسع في تشغيل المجمعات الصناعية الكبرى التي تتطلب كميات هائلة وموثوقة من الكهرباء.
التوليد المشترك للطاقة والحرارة (Combined Heat and Power - CHP / Cogeneration)
التوليد المشترك هو تطبيق آخر يهدف إلى زيادة الكفاءة الكلية لاستخدام الوقود. بدلاً من استخدام حرارة العادم لتوليد المزيد من الكهرباء (كما في الدورة المركبة)، يتم استخدامها مباشرة في العمليات الصناعية التي تتطلب طاقة حرارية. في سياق صناعة النفط والغاز، يمكن استخدام حرارة العادم (إما مباشرة أو عبر HRSG لتوليد البخار) في:
- عمليات التكرير: تسخين النفط الخام في المبادلات الحرارية والأفران.
- تحلية المياه: توفير الحرارة اللازمة لوحدات التقطير الحراري.
- معالجة الغاز: إعادة تسخين الغاز في وحدات فصل الأمينات.
- تسخين النفط الخام الثقيل: لتقليل لزوجته وتسهيل ضخه.
يمكن أن تصل الكفاءة الإجمالية لأنظمة التوليد المشترك (الطاقة الكهربائية + الطاقة الحرارية المستخدمة) إلى 80-90%، مما يجعلها خيارًا جذابًا للغاية من الناحية الاقتصادية والبيئية للمنشآت التي لديها طلب متزامن على الكهرباء والحرارة، مثل محطات المعالجة المركزية، ومنها محطة عزل الغاز عن النفط.
اختيار وتشغيل التوربينات (Turbine Selection and Operation)
إن اختيار التوربين المناسب لتطبيق معين هو عملية هندسية معقدة تتضمن الموازنة بين العديد من العوامل الفنية والاقتصادية والبيئية. وبمجرد تركيب التوربين، يعتمد تشغيله الفعال والآمن على فهم متطلباته التشغيلية والأنظمة المساعدة التي تدعمه. يؤثر الاختيار الصحيح والتشغيل السليم بشكل مباشر على موثوقية المنشأة وتكاليف دورة حياتها.
معايير اختيار التوربينات (Turbine Selection Criteria)
تتضمن عملية الاختيار تقييمًا شاملاً لعدة متغيرات لضمان تطابق أداء التوربين مع متطلبات التطبيق المحدد:
- متطلبات القدرة وملف الحمل (Power Requirement and Load Profile): يجب تحديد القدرة المطلوبة (بالميجاوات للتوليد الكهربائي أو بالحصان للدفع الميكانيكي) بدقة. كما يجب تحليل ملف الحمل، أي كيفية تغير الطلب على الطاقة مع مرور الوقت. هل الحمل ثابت (Baseload) أم متغير (Variable Load) أم متقطع (Intermittent)؟ بعض التوربينات تعمل بكفاءة عالية عند الحمل الكامل ولكن كفاءتها تنخفض بشكل حاد عند الأحمال الجزئية.
- الكفاءة (Efficiency): تُعد الكفاءة الحرارية (النسبة بين الطاقة الناتجة والطاقة الحرارية للوقود المستهلك) عاملاً اقتصاديًا حاسمًا، حيث تؤثر مباشرة على تكاليف الوقود طوال عمر التوربين. يجب تقييم الكفاءة عند نقطة التصميم (الحمل الكامل) وكذلك عند الأحمال الجزئية المتوقعة.
- توفر ونوع الوقود (Fuel Availability and Type): يجب أن يكون التوربين قادرًا على حرق الوقود المتاح في الموقع بكفاءة وأمان. هل الوقود هو غاز طبيعي عالي الجودة، أم غاز حامضي، أم وقود سائل؟ تعد القدرة على العمل بوقود مزدوج (Dual-Fuel Capability) ميزة هامة لضمان استمرارية التشغيل في حال انقطاع إمداد الوقود الأساسي.
- اللوائح البيئية والانبعاثات (Environmental Regulations and Emissions): تفرض اللوائح البيئية المحلية والعالمية قيودًا صارمة على انبعاثات الملوثات مثل أكاسيد النيتروجين (NOx) وأول أكسيد الكربون (CO). يجب اختيار توربين مزود بتقنيات احتراق منخفضة الانبعاثات (مثل DLN) أو التخطيط لتركيب أنظمة معالجة لاحقة لغاز العادم (مثل SCR) للامتثال لهذه اللوائح.
- ظروف الموقع (Site Conditions): يؤثر أداء التوربين الغازي بشكل كبير بالظروف المحيطة. الارتفاع عن سطح البحر، ودرجة الحرارة المحيطة، والرطوبة تؤثر جميعها على كثافة الهواء، وبالتالي على كتلة الهواء التي يمكن للضاغط سحبها. يؤدي ارتفاع درجة الحرارة أو الارتفاع إلى انخفاض القدرة الناتجة والكفاءة. يجب تصنيف التوربين بناءً على الظروف الفعلية للموقع.
- الموثوقية والتوفرية والصيانية (Reliability, Availability, and Maintainability - RAM): هذه المقاييس حيوية في صناعة النفط والغاز، حيث يمكن أن يؤدي التوقف غير المخطط له إلى خسائر إنتاج فادحة. يجب تقييم سجل أداء الطراز المختار، وفترات الصيانة الموصى بها، وسهولة الوصول إلى قطع الغيار والخدمات الفنية.
- التكاليف الرأسمالية والتشغيلية (CAPEX vs. OPEX): يجب إجراء تحليل اقتصادي لدورة الحياة الكاملة، والذي يأخذ في الاعتبار التكلفة الأولية للشراء والتركيب (CAPEX) بالإضافة إلى التكاليف طويلة الأجل للوقود والصيانة والتشغيل (OPEX). قد يكون التوربين ذو الكفاءة العالية أغلى ثمنًا في البداية، لكنه قد يوفر مبالغ كبيرة على المدى الطويل من خلال خفض استهلاك الوقود.
متطلبات الوقود (Fuel Requirements)
جودة الوقود وتكييفه قبل دخوله إلى التوربين أمران بالغا الأهمية لضمان الاحتراق المستقر، وحماية المكونات الساخنة، وتقليل الانبعاثات.
وقود الغاز (Gaseous Fuels)
يُعد الغاز الطبيعي هو الوقود المفضل للتوربينات الغازية نظرًا لاحتراقه النظيف وكفاءته العالية. ومع ذلك، يجب أن يفي الغاز بمواصفات صارمة قبل حقنه في غرفة الاحتراق. تتضمن عملية تكييف غاز الوقود (Fuel Gas Conditioning) عدة خطوات تضمن حماية التوربين، وتمر هذه العملية بعدة مراحل شبيهة بمراحل معالجة الغاز الطبيعي:
- الترشيح (Filtration): لإزالة الجسيمات الصلبة والسوائل المتكثفة التي يمكن أن تسد فوهات الوقود وتسبب تآكلًا.
- التسخين (Superheating): يتم تسخين الغاز فوق درجة حرارة الندى الهيدروكربونية (Hydrocarbon Dew Point) لضمان عدم تكثف أي سوائل أثناء انخفاض الضغط عبر صمامات التحكم.
- تنظيم الضغط (Pressure Regulation): يجب توفير الغاز عند ضغط ثابت ومناسب لنظام الاحتراق.
- إزالة الملوثات: يجب إزالة المكونات المسببة للتآكل مثل كبريتيد الهيدروجين (H2S) والملوثات الأخرى التي قد تلحق الضرر بمسار الغاز الساخن.
- مؤشر ووبي (Wobbe Index): يجب أن يكون هذا المؤشر، الذي يمثل كثافة الطاقة للغاز، ضمن نطاق محدد لضمان استقرار اللهب.
الوقود السائل (Liquid Fuels)
يمكن أن تعمل العديد من التوربينات على أنواع مختلفة من الوقود السائل، مثل الديزل (الغاز أويل)، أو الكيروسين، أو النفتا. عند استخدام الوقود السائل، هناك حاجة إلى أنظمة معالجة إضافية للتحكم في اللزوجة، وإزالة الماء والشوائب، ومنع التآكل الناتج عن وجود معادن مثل الصوديوم والبوتاسيوم والفاناديوم في الوقود.
الأنظمة المساعدة (Auxiliary Systems)
لا يمكن للتوربين الغازي أن يعمل بمعزل عن غيره؛ فهو يعتمد على مجموعة من الأنظمة المساعدة المتكاملة التي تضمن تشغيله الآمن والفعال.
- نظام سحب الهواء (Air Intake System): وظيفته توفير تدفق هواء نظيف وبارد وموحد إلى الضاغط. يتكون من مراحل متعددة من المرشحات لإزالة الغبار والملح والملوثات الأخرى، بالإضافة إلى كاتمات للصوت لتقليل الضوضاء، وفي المناخات الباردة، أنظمة منع التجمد (Anti-icing Systems).
- نظام العادم (Exhaust System): يوجه غازات العادم الساخنة بأمان إلى الغلاف الجوي أو إلى مولد بخار استعادة الحرارة (HRSG). يتضمن مجاري عادم، وكاتمات للصوت، ومدخنة. يجب أن يكون مصممًا لتقليل الضغط الخلفي (Back Pressure) على التوربين، حيث أن أي زيادة في الضغط الخلفي تقلل من القدرة الناتجة والكفاءة.
- نظام التزييت (Lube Oil System): نظام حيوي يقوم بتزييت وتبريد محامل (Bearings) التوربين والمعدات الملحقة به (مثل صندوق التروس والمولد). يتكون من خزان زيت، ومضخات (رئيسية، احتياطية، طوارئ)، ومبردات، ومرشحات، وأجهزة استشعار لمراقبة درجة حرارة وضغط الزيت.
- نظام البدء (Starting System): نظرًا لأن التوربين الغازي لا يستطيع أن يبدأ بالدوران من تلقاء نفسه، فإنه يحتاج إلى محرك بدء (كهربائي، أو ديزل، أو هوائي) لتدويره إلى سرعة معينة (حوالي 20-30% من السرعة الكاملة) حيث يمكن للضاغط توفير تدفق هواء كافٍ لبدء عملية الاحتراق ودعم التسارع الذاتي.
- نظام التحكم والمراقبة (Control and Monitoring System): هو "عقل" التوربين. عادة ما يكون نظام تحكم موزع (DCS) أو وحدة تحكم منطقية قابلة للبرمجة (PLC). يقوم بمراقبة آلاف المتغيرات التشغيلية بشكل مستمر (مثل السرعة، ودرجات الحرارة، والاهتزازات، والضغوط) ويقوم بضبط معلمات التشغيل (مثل تدفق الوقود) للحفاظ على تشغيل آمن ومستقر. كما أنه يدير تسلسل البدء والإيقاف، ويحمي المعدات من خلال نظام الإيقاف الاضطراري (Emergency Trip System) في حالة تجاوز أي متغير للحدود الآمنة.
الصيانة، الفحص، والموثوقية (Maintenance, Inspection, and Reliability)
تُعد استراتيجيات الصيانة والفحص الفعالة أمرًا بالغ الأهمية لضمان تشغيل التوربينات النفطية بأمان وموثوقية وكفاءة طوال دورة حياتها. نظرًا للتكاليف الباهظة للتوقف غير المخطط له في صناعة النفط والغاز، يتم التركيز بشكل كبير على الصيانة الاستباقية والتقنيات التنبؤية لتحديد المشاكل المحتملة قبل أن تتطور إلى أعطال كارثية. تهدف برامج الصيانة إلى تحقيق أقصى قدر من التوفرية (Availability) وتقليل تكاليف دورة الحياة.
فلسفات الصيانة (Maintenance Philosophies)
تطورت أساليب الصيانة بمرور الوقت من نهج تفاعلي إلى استراتيجيات أكثر تعقيدًا تعتمد على البيانات والتحليل. يمكن تطبيق مزيج من هذه الفلسفات اعتمادًا على أهمية المعدات:
| فلسفة الصيانة | الوصف | المزايا | العيوب |
|---|---|---|---|
| الصيانة التفاعلية (Reactive) | إصلاح المعدات بعد حدوث العطل (Run-to-Failure). | تكاليف أولية منخفضة، لا حاجة للتخطيط. | توقف غير مخطط له، تكاليف إصلاح عالية، مخاطر تتعلق بالسلامة. |
| الصيانة الوقائية (Preventive - PM) | إجراء الصيانة على فترات زمنية مجدولة (ساعات التشغيل أو تقويمية) بغض النظر عن حالة المعدات. | تقلل من الأعطال غير المتوقعة، تزيد من عمر المعدات. | قد تؤدي إلى صيانة غير ضرورية، لا تمنع جميع الأعطال. |
| الصيانة التنبؤية (Predictive - PdM) | تعتمد على المراقبة المستمرة لحالة المعدات (مثل الاهتزازات، درجة الحرارة) للتنبؤ بالأعطال المستقبلية وإجراء الصيانة فقط عند الحاجة. | تزيد من وقت التشغيل، تقلل تكاليف الصيانة، تمنع الأعطال الكبرى. | تتطلب استثمارًا في تقنيات المراقبة والخبرة لتحليل البيانات. |
| الصيانة المرتكزة على الموثوقية (RCM) | منهجية شاملة لتحديد استراتيجية الصيانة المثلى لكل مكون بناءً على أهميته التشغيلية وأنماط فشله المحتملة. | تحسن الأداء العام للنظام، تركز الموارد على المكونات الأكثر أهمية. | تتطلب تحليلًا مكثفًا ومعرفة عميقة بالنظام. |
في معظم التطبيقات الحيوية للتوربينات الغازية، يتم اتباع نهج يجمع بين الصيانة الوقائية والتنبؤية، مع الاسترشاد بمبادئ RCM.
أنواع الفحوصات الرئيسية (Major Inspection Types)
توصي الشركات المصنعة للتوربينات (OEMs) بجدول زمني للفحوصات يعتمد عادةً على عدد "ساعات التشغيل المكافئة" (Equivalent Operating Hours - EOH) وعدد مرات البدء. يتم حساب EOH مع الأخذ في الاعتبار أن عمليات البدء والتوقف تسبب إجهادًا حراريًا أكبر من التشغيل المستمر.
الفحص بالتنظير (Borescope Inspection)
هو فحص بصري غير تدميري للمكونات الداخلية للتوربين دون الحاجة إلى تفكيك كبير. يتم إدخال منظار داخلي مرن (Borescope) أو منظار فيديو (Videoscope) عبر منافذ مخصصة في غلاف التوربين لفحص حالة شفرات الضاغط، وبطانات غرفة الاحتراق، وفوهات وشفرات التوربين. يتيح هذا الفحص، الذي يمكن إجراؤه خلال فترة توقف قصيرة، الكشف المبكر عن علامات التآكل، والتشقق، والتآكل، وتلف الأجسام الغريبة (FOD).
فحص مسار الغاز الساخن (Hot Gas Path Inspection - HGPI)
هو فحص أكثر شمولاً يتطلب تفكيك الأجزاء العلوية من أغلفة التوربين وغرفة الاحتراق للوصول إلى مكونات المسار الساخن. خلال هذا الفحص، يتم إزالة وفحص وتنظيف وإصلاح (أو استبدال) مكونات غرفة الاحتراق وشفرات وريش التوربين. يُعد هذا الفحص ضروريًا للحفاظ على أداء وسلامة الأجزاء الأكثر تعرضًا للحرارة والإجهاد في التوربين.
الفحص الشامل (Major Overhaul)
هو الإجراء الأكثر تعقيدًا وشمولية في دورة حياة صيانة التوربين. يتضمن التفكيك الكامل للوحدة، بما في ذلك إزالة الدوار (Rotor) من الغلاف. يتم فحص كل مكون من مكونات التوربين (الضاغط، غرفة الاحتراق، التوربين، المحامل) بدقة باستخدام تقنيات الاختبار غير التدميري (NDT). يتم استبدال الأجزاء ذات العمر المحدود وإصلاح أو تجديد المكونات الأخرى. بعد إعادة التجميع، يعود التوربين فعليًا إلى حالة "جديد"، مع إعادة ضبط سجل ساعات التشغيل الخاصة به.
تقنيات المراقبة والتشخيص المتقدمة (Advanced Monitoring and Diagnostic Techniques)
تعتمد الصيانة التنبؤية بشكل كبير على جمع وتحليل البيانات التشغيلية لتحديد الانحرافات عن الأداء الطبيعي والتي قد تشير إلى وجود مشكلة ناشئة.
- تحليل الاهتزازات (Vibration Analysis): يتم تركيب مجسات اهتزاز (مسابير القرب ومقاييس التسارع) على محامل التوربين لمراقبة مستويات الاهتزاز بشكل مستمر. يمكن أن يشير تحليل ترددات الاهتزاز إلى مشاكل محددة مثل عدم اتزان الدوار، أو عدم محاذاة الأعمدة، أو تآكل المحامل، أو تشقق الشفرات.
- تحليل زيت التزييت (Lube Oil Analysis): يتم أخذ عينات من زيت التزييت بانتظام وتحليلها في المختبر. يمكن أن يكشف وجود جزيئات معدنية عن تآكل مكون معين (مثل المحامل أو التروس)، بينما يمكن أن يشير تغير خصائص الزيت (مثل اللزوجة أو الحموضة) إلى تدهوره أو تلوثه.
- المراقبة الحرارية (Thermography): يُستخدم التصوير بالأشعة تحت الحمراء لمسح الأسطح الخارجية للتوربين والأنظمة المساعدة. يمكن أن يكشف عن النقاط الساخنة التي قد تشير إلى فشل العزل الحراري، أو مشاكل في التوصيلات الكهربائية، أو انسداد في مبردات الزيت.
- مراقبة الأداء (Performance Monitoring): تقوم أنظمة المراقبة المتقدمة بتتبع المقاييس الرئيسية لأداء التوربين (الكفاءة، القدرة الناتجة، معدل الحرارة) ومقارنتها بالقيم المتوقعة في ظل الظروف التشغيلية الحالية. يمكن أن يشير التدهور التدريجي في الأداء إلى مشاكل مثل تلوث الضاغط، أو تآكل مكونات المسار الساخن، أو تسرب الهواء.
الأعطال الشائعة وطرق معالجتها (Common Failures and Troubleshooting)
على الرغم من تصميمها القوي، يمكن أن تتعرض التوربينات لبعض الأعطال الشائعة التي تتطلب تشخيصًا دقيقًا وإجراءات تصحيحية سريعة.
- تلوث الضاغط (Compressor Fouling): مع مرور الوقت، يمكن أن تتراكم الأوساخ والزيوت والأملاح على شفرات الضاغط، مما يغير من شكلها الديناميكي الهوائي ويقلل من كفاءته وتدفقه. يؤدي هذا إلى انخفاض القدرة الناتجة وزيادة استهلاك الوقود. يمكن معالجة هذه المشكلة عن طريق الغسيل الدوري للضاغط، والذي يمكن إجراؤه أثناء تشغيل التوربين (Online Washing) أو أثناء توقفه (Offline Washing).
- تلف الشفرات (Blade Failure): يعد فشل شفرات الضاغط أو التوربين من أخطر الأعطال. يمكن أن يحدث بسبب:
- تلف الأجسام الغريبة (FOD): دخول جسم غريب (مثل قطعة معدنية أو جليد) إلى مدخل الهواء.
- الإجهاد عالي الدورة (HCF): الاهتزازات الديناميكية الهوائية التي تسبب تشققات إجهادية.
- الزحف (Creep): التشوه الدائم للمادة عند درجات حرارة عالية تحت تأثير الإجهاد.
- التآكل والصدأ الساخن (Corrosion and Hot Corrosion): الهجوم الكيميائي على سطح الشفرة بفعل الملوثات الموجودة في الهواء أو الوقود.
- مشاكل غرفة الاحتراق (Combustor Issues): يمكن أن تعاني بطانات الاحتراق من التشقق الحراري، ويمكن أن تنسد فوهات الوقود، وقد تحدث ظواهر عدم استقرار في الاحتراق (مثل الطنين أو الاهتزازات الصوتية) يمكن أن تلحق الضرر بالمكونات.
التوربينات البخارية في صناعة النفط والغاز (Steam Turbines in the Oil & Gas Industry)
على الرغم من أن التوربينات الغازية تهيمن على العديد من التطبيقات، إلا أن التوربينات البخارية (Steam Turbines) تلعب أيضًا دورًا هامًا، وإن كان مختلفًا، في قطاع النفط والغاز. تعمل التوربينات البخارية على مبدأ مختلف تمامًا، حيث تستخدم الطاقة الكامنة في البخار عالي الضغط والحرارة لإنتاج عمل ميكانيكي.
مبدأ العمل ودورة رانكين (Operating Principle and Rankine Cycle)
تعمل التوربينات البخارية وفقًا لدورة رانكين (Rankine Cycle)، وهي دورة ثرموديناميكية مغلقة تستخدم الماء كمائع تشغيل. تتكون الدورة من أربع عمليات رئيسية:
- الضخ (Pumping): يتم ضخ الماء السائل بواسطة مضخة تغذية (Feedwater Pump) لرفع ضغطه إلى مستوى عالٍ.
- الغليان (Boiling): يتم تسخين الماء المضغوط في مرجل (Boiler) لتحويله إلى بخار مشبع ثم إلى بخار محمص (Superheated Steam) عالي الضغط والحرارة.
- التمدد (Expansion): يتمدد البخار المحمص عبر التوربين البخاري، مما يؤدي إلى دوران عمود التوربين وإنتاج شغل ميكانيكي.
- التكثيف (Condensing): يخرج البخار من التوربين بضغط منخفض ويدخل إلى مكثف (Condenser)، حيث يتم تبريده وتحويله مرة أخرى إلى ماء سائل، لتبدأ الدورة من جديد.
تطبيقات التوربينات البخارية
تجد التوربينات البخارية مكانها في صناعة النفط والغاز في عدة سيناريوهات محددة:
- محطات الدورة المركبة (CCGT): كما ذكرنا سابقًا، هذا هو التطبيق الأكثر شيوعًا. يعمل التوربين البخاري كجزء ثانوي من الدورة، مستفيدًا من حرارة العادم المهدرة من التوربين الغازي لزيادة الكفاءة الإجمالية بشكل كبير.
- الدفع الميكانيكي في المصافي: غالبًا ما تحتوي مصافي التكرير ومصانع البتروكيماويات على فائض من البخار المنتج من العمليات الصناعية المختلفة (مثل وحدات التكسير التحفيزي المائع) أو من حرق الوقود الثانوي. يمكن استخدام هذا البخار بكفاءة لتشغيل التوربينات البخارية التي تقود بدورها ضواغط أو مضخات كبيرة، مما يقلل من الاعتماد على المحركات الكهربائية أو التوربينات الغازية.
- التوليد المشترك (Cogeneration): في أنظمة التوليد المشترك، يمكن استخدام توربينات بخارية ذات سحب خلفي (Back-pressure Turbine) أو توربينات استخلاص (Extraction Turbine). تقوم هذه التوربينات بتمديد البخار لإنتاج الكهرباء، ثم يتم استخلاص البخار عند ضغط متوسط لاستخدامه في عمليات التسخين الصناعي.
مقارنة بين التوربينات الغازية والبخارية (Comparison: Gas vs. Steam Turbines)
يمتلك كل نوع من التوربينات خصائص فريدة تجعله مناسبًا لتطبيقات مختلفة. يوضح الجدول التالي مقارنة بينهما:
| الخاصية | التوربين الغازي | التوربين البخاري |
|---|---|---|
| مائع التشغيل | الهواء وغازات الاحتراق | الماء/البخار |
| الدورة الثرموديناميكية | دورة برايتون (دورة مفتوحة) | دورة رانكين (دورة مغلقة) |
| زمن البدء | سريع (دقائق) | بطيء (ساعات)، بسبب الحاجة للتسخين التدريجي للمرجل والمكونات. |
| كفاءة الدورة البسيطة | متوسطة (30-42%) | عالية (تصل إلى 45% في الوحدات الكبيرة) |
| التكلفة الرأسمالية | أقل لكل كيلوواط | أعلى، بسبب الحاجة إلى المرجل والمكثف والأنظمة المساعدة. |
| المساحة المطلوبة | صغيرة ومدمجة | كبيرة، تتطلب مساحة كبيرة للمرجل ونظام التبريد. |
| متطلبات التبريد | لا يوجد متطلبات تبريد أساسية (باستثناء زيت التزييت) | تتطلب كميات كبيرة من مياه التبريد للمكثف. |
| المرونة التشغيلية | مرونة عالية في تغيير الحمل | أقل مرونة، تعمل بشكل أفضل عند الأحمال الثابتة. |
الاعتبارات البيئية والانبعاثات (Environmental Considerations and Emissions)
مع تزايد الوعي البيئي وتشديد اللوائح الحكومية، أصبح التحكم في الانبعاثات الصادرة عن التوربينات النفطية جزءًا لا يتجزأ من تصميمها وتشغيلها. ينتج عن عملية الاحتراق عند درجات حرارة وضغوط عالية مجموعة من الملوثات التي يجب التحكم فيها لتقليل التأثير على جودة الهواء والبيئة المحيطة.
الانبعاثات الرئيسية (Key Emissions)
- أكاسيد النيتروجين (NOx): تتكون بشكل أساسي من أول أكسيد النيتروجين (NO) وثاني أكسيد النيتروجين (NO2). تتشكل هذه المركبات عندما يتفاعل النيتروجين الموجود في الهواء مع الأكسجين عند درجات الحرارة العالية جدًا في غرفة الاحتراق. تعتبر أكاسيد النيتروجين مساهمًا رئيسيًا في تكوين الضباب الدخاني والمطر الحمضي.
- أول أكسيد الكربون (CO): هو ناتج عن الاحتراق غير الكامل للوقود. تحدث مستويات عالية من أول أكسيد الكربون عادةً أثناء التشغيل عند الأحمال المنخفضة أو عندما لا يكون مزيج الهواء والوقود مثاليًا.
- ثاني أكسيد الكبريت (SOx): ينتج عن احتراق الكبريت الموجود بشكل طبيعي في الوقود. لا يمثل مشكلة كبيرة عند استخدام الغاز الطبيعي (الذي يحتوي على نسبة كبريت منخفضة جدًا)، ولكنه يصبح مصدر قلق عند حرق الوقود السائل أو الغازات الحامضية.
- ثاني أكسيد الكربون (CO2): هو ناتج طبيعي لعملية احتراق الوقود الهيدروكربوني ويعتبر من أهم غازات الدفيئة. يمكن تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة طاقة منتجة عن طريق زيادة الكفاءة الحرارية للتوربين.
تقنيات التحكم في الانبعاثات (Emission Control Technologies)
تم تطوير العديد من التقنيات لتقليل هذه الانبعاثات والامتثال للحدود التنظيمية:
- التحكم في عملية الاحتراق:
- غرف الاحتراق منخفضة الانبعاثات (Dry Low Emissions - DLE or Dry Low NOx - DLN): هي التقنية الأكثر شيوعًا اليوم. تعتمد على مبدأ الاحتراق "الخفيف والممزوج مسبقًا" (Lean, Premixed Combustion). يتم خلط الوقود جيدًا مع كمية كبيرة من الهواء قبل إدخاله إلى منطقة اللهب. هذا يقلل من درجة حرارة اللهب القصوى، مما يقلل بشكل كبير من تكوين أكاسيد النيتروجين الحرارية دون الحاجة إلى حقن الماء أو البخار.
- حقن الماء أو البخار (Water/Steam Injection): كانت هذه هي التقنية الأصلية للتحكم في أكاسيد النيتروجين. يتم حقن الماء أو البخار النقي مباشرة في غرفة الاحتراق، مما يعمل على تبريد اللهب وتقليل تكوين أكاسيد النيتروجين. على الرغم من فعاليتها، إلا أنها تقلل من كفاءة التوربين وتتطلب مصدرًا للمياه عالية النقاء.
- المعالجة اللاحقة لغاز العادم:
- الاختزال التحفيزي الانتقائي (Selective Catalytic Reduction - SCR): هي تقنية عالية الكفاءة يتم تركيبها في نظام العادم. يتم حقن الأمونيا (أو اليوريا) في تيار غاز العادم قبل مروره عبر طبقة من المحفز. تتفاعل الأمونيا بشكل انتقائي مع أكاسيد النيتروجين لتحويلها إلى نيتروجين وماء غير ضارين. يمكن لـ SCR تحقيق معدلات إزالة لأكاسيد النيتروجين تتجاوز 90%.
- محفز الأكسدة (Oxidation Catalyst): يستخدم هذا المحفز، الذي يتم تركيبه أيضًا في مسار العادم، لتحويل أول أكسيد الكربون (CO) والهيدروكربونات غير المحترقة (UHC) إلى ثاني أكسيد الكربون وماء.
في الختام، تشكل التوربينات النفطية، بنوعيها الغازي والبخاري، العمود الفقري لعمليات الطاقة في صناعة النفط والغاز. من خلال فهم عميق لمبادئها الثرموديناميكية، ومكوناتها الدقيقة، وتطبيقاتها المتنوعة، يمكن للمهندسين والمشغلين ضمان اختيار وتشغيل وصيانة هذه الأصول الحيوية بأقصى درجات الكفاءة والموثوقية. إن التطور المستمر في تصميم المواد، وتقنيات التبريد، وأنظمة التحكم، واستراتيجيات الصيانة التنبؤية، يضمن أن تظل التوربينات مكونًا أساسيًا وحيويًا في تلبية الطلب العالمي على الطاقة بشكل آمن ومستدام.
المصادر
- Boyce, M. P. (2011). Gas Turbine Engineering Handbook. Gulf Professional Publishing.
- Cohen, H., Rogers, G. F. C., & Saravanamuttoo, H. I. H. (1996). Gas Turbine Theory. Pearson Education.
- Walsh, P. P., & Fletcher, P. (2004). Gas Turbine Performance. John Wiley & Sons.
- Siemens Energy AG. (n.d.). Gas turbines for power generation. Retrieved from Siemens Energy website.
- General Electric Company. (n.d.). Gas Power. Retrieved from GE Gas Power website.
- Solar Turbines. (n.d.). Products & Services. Retrieved from Solar Turbines website.


